أبي بكر جابر الجزائري
188
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وهذا أول قصص يقوله تعالى فيه لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ « 1 » أي وعزتنا لقد أرسلنا نوحا إلى قومه كما أرسلناك أنت يا رسولنا إلى قومك من العرب والعجم ، فقال : أي نوح في دعوته : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ « 2 » أي ليس لكم على الحقيقة إله غيره ، إذ الإله الحق من يخلق ويرزق ويدبر فيحيي ويميت ويعطي ويمنع ، ويضر وينفع ، ويسمع ويبصر فأين هذا من آلهة نحتموها بأيديكم ، ووضعتموها في بيوتكم عمياء لا تبصر صماء لا تسمع بكماء لا تنطق فكيف يصح أن يطلق عليها اسم الإله وتعبد إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أنذرهم عذاب يوم القيامة إن هم أصروا على الشرك والعصيان فأجابه الملأ « 3 » منهم وهم أهل الحل والعقد في البلاد قائلين : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بسبب موقفك العدائي هذا لآلهتنا ، ولعبادتنا إياها فأجاب عليه السّلام قائلا يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ مجرد ضلالة فكيف بالضلال كله كما تقولون ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ « 4 » لَكُمْ أي بما هو خير لكم في حالكم ومآلكم ، واعلموا أني وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فأنا على علم بما عليه ربي من عظمة وسلطان ، وجلال ، وجمال ، وما عنده من رحمة وإحسان ، وما لديه من نكال وعذاب ، وأنتم لا تعلمون فاتقوا اللّه إذا وأطيعوني يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى آجالكم ، ولا يعجل بفنائكم وواصل حديثه معهم وقد دام ألف سنة إلا خمسين عاما قائلا : أكذبتم بما دعوتكم إليه وجئتكم به وعجبتم « 5 » أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ، ولتتقوا اللّه بتوحيده وعبادته وطاعته رجاء أن ترحموا فلا تعذبوا أمن هذا يتعجب العقلاء ؟ وكانت النتيجة لهذه الدعوة المباركة الخيّرة أن كذبوه فأنجاه ربه والمؤمنين معه ، وأغرق الظالمين المكذبين ، لأنهم كانوا قوما عمين فلا يستحقون البقاء والنجاة قال تعالى فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي
--> ( 1 ) نوح : هو أوّل الرسل من حيث إنه حارب الشرك ودعا إلى التوحيد ، وهل إدريس من ذريته أو من آبائه خلاف ، أمّا شيت بن آدم فقطعا هو من آبائه . ( 2 ) غيره : مرفوع على النعت لإله المرفوع تقديرا ، إذ الأصل رفعه ، وجرّ بحرف الجرّ الزائد الذي هو من . ( 3 ) الملأ : هم أشراف القوم ورؤساؤهم الذين إذا نظر إليهم ملئوا العين وإذا جلسوا ملئوا المجلس ، هذا أصل الكلمة . ( 4 ) النصح : إخلاص القول والعمل من شوائب الفساد ، بمعنى تخليص القول أو العمل مما هو ضار أو غير نافع للمنصوح له ، ويقال نصحه ونصح له والمعنى واحد ، والاسم النصيحة ، والناصح الخالص من العسل مثل الناصح الذي لا شائبة فيه . ( 5 ) قوله تعالى : أَ وَعَجِبْتُمْ الهمزة للاستفهام ، والواو عاطفة على جملة محذوفة كما هي في التفسير .